أخر تحديث : الإثنين 8 يناير 2018 - 8:30 مساءً

لا خير في أمة تعرض عن علمائها ودعاتها وتقبل على سفهائها

بتاريخ 8 يناير, 2018 - بقلم جهة بريس

1

لقد تعهد الله عز وجل البشرية عبر تاريخها الطويل بالرسل والأنبياء صلواته وسلامه عليهم أجمعين حتى لا تزيغ عن صراطه المستقيم ، وتهلك هلاك العاجل والآجل. وجعل سبحانه وتعالى للرسل والأنبياء ورثة هم العلماء ،ورثوا عنهم العلم كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان دورهم  بحكم وراثتهم الرسل والأنبياء أن يسيروا على نهجهم في هداية الناس إلى سواء السبيل وإلى الصراط المستقيم . ولم يترك الله عز البشرية في فترة من فترات تاريخها دون رسل وأنبياء أو دون ورثتهم من العلماء من جهة رحمة بهم  وحماية لهم من الزيغ  عن صراطه  المستقيم، ومن جهة أخرى لإقامة الحجة عليهم إذا ما تعمدوا الزيغ ، ولهذا لا تعذر أمة من الأمم بذريعة عدم وجود رسل وأنبياء أو من يسد مسدهم من العلماء . وعلى قدر زيغ  البشرعن صراط الله المستقيم تزداد حاجتهم إلى الرسل والأنبياء أو إلى ورثتهم من العلماء . ومعلوم أنه كلما تراخى الزمن عن بعثة الرسل والأنبياء ازداد انحراف البشر عن الجادة التي ارتضاها لهم الله عز وجل ، وتصير بذلك مسؤولية ورثتهم من العلماء جسيمة  . وكما كان الرسل والأنبياء يواجهون سفهاء عصرهم ، فإن ورثتهم من العلماء يواجهون سفهاء عصرهم أيضا . والصراع بين هداية الرسل والأنبياء وورثتهم العلماء من جهة وبين ضلالة السفهاء  من جهة أخرى مستمر إلى نهاية العالم ورحيل البشرية إلى العالم الآخر لتختصم بين يدي خالقها سبحانه وتعالى بسبب خلافها فيما يتعلق بالهداية والضلالة .

ويحدثنا القرآن الكريم عن الحالات التي كانت الأمم تعرض عن رسلها وأنبيائها مقابل الإقبال على سفهائها . ولقد استمر ذلك مع ورثة الرسل والأنبياء من العلماء عبر التاريخ  . ولا يخلو عصرنا الحالي من ظاهرة إعراض الناس عن العلماء والإقبال على السفهاء . ومعلوم أن كلمة سفاهة في اللسان العربي تدل على الجهل، ونقص في العقل، والطيش ،وسوء الخلق، وقلة الأدب، والفظاظة ،والتصرف غير المسؤول ماديا ومعنويا . و يقال فلان سفه نفسه إذا حملها على السفه أو السفاهة بكل ما تعنيه ، والسفاهة كاسمها كما قال الشاعر النابغة الذبياني.  وقد وردت ذكر في ذم أصحابها في القرآن الكريم حيث قال الله عز وجل : (( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه )) وهذه الآية جاءت في معرض الحديث عن هداية نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، وضلالة السفهاء .وقد ينسب السفهاء السفاهة لغيرهم من العقلاء الفضلاء حتى وإن كانوا رسلا وأنبياء كما جاء في قول الله تعالى : (( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون  قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين  قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكنّي رسول من رب العالمين )).

وحين تسود السفاهة وهي ضلالة تصبح في اعتقاد أصحابها هداية ، وتصير الهداية عندهم ضلالة كما كان الحال بالنسبة لقوم هود عليه السلام . ولا يخلو عصر من العصور من ظاهرة طغيان ضلالة السفاهة التي يوطد لها سفهاء  وقد تهيأت لهم الظروف المناسبة، فيستقطبون الناس إلى سفههم  استخفافا بعقولهم ، ويعرض هؤلاء عن الهداية التي يدعوهم إليها علماؤهم والدعاة الذين يسيرون على نهجهم .

ولقد عظم في عصرنا الحالي أمر السفاهة في معظم بلاد الإسلام بسبب اقتباس سفهائنا من سفاهة الأمم التي تتبنى السفاهة منهاجا في حياتها ، وهي سفاهة تزيّن وتبهرج تحت شعارات مختلفة لتسوّق في بلاد المسلمين . وصار سفهاؤنا يتطاولون على أمور الدين وهي شغل واختصاص العلماء والدعاة ، وصارت لهم فتاوى ضالة مضلة تستقطب الذين تستهويهم السفاهة . وصرنا نسمع بفتاوى السفاهة في أمور فصل فيها الوحي من قبيل بعض  ما يعرف بالأحوال الشخصية  من زواج وطلاق وميراث ، وعلاقات أسرية ، ومالية ، وغيرها . وانقلبت الآية فصار شرع الله عز ينعت بالسفه عند السفهاء ، وسفههم صار أمرا مرغوبا فيه يستميل الناس ويستهويهم لأنه يصادف أهواء في نفوسهم التي سفهوها بسبب تأثير السفهاء فيهم.

ولم يعد صوت العلماء والدعاة مسموعا لدى الناس وقد صرفهم عنه صوت السفهاء الذين بهرجوا لهم السفه معتمدين وسائل الإعلام والتواصل التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة ، فصار الناس ينهلون سفاهة السفهاء منها ، وفي اعتقادهم أنهم في الطريق الصحيح ، وقد وضعوا ثقتهم العمياء فيما تنقله إليهم وسائل الإعلام والتواصل  وقد عطلوا عقولهم . ويقود سفهاء هذا العصر حربا ضارية ضد العلماء والدعاة الذين صاروا هدفا للقتل ،والاعتقال، والنفي، والإبعاد ،والتشويه ،والسخرية، والتندر،والتشكيك، والاتهام، والتخوين لتنفير الناس منهم وصدهم عن الاستماع إليهم  تضييقا عليهم ليفسح المجال واسعا  أمام ضلالات السفهاء. ولم يعد  بسبب ذلك للعلماء والدعاة  تأثير في الناس الذين صاروا يتهافتون على السفهاء تهافت الفراش على النار . ولقد صار العلماء والدعاة في زماننا صنفين : صنف اختار فلسفة أبي العلاء المعري القائل :

لما رأيت الجهل في الناس فاشيا = تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فيا عجبا كم يدعي الفضل ناقص=ويا أسفي كم يظهر النقص فاضل

وصنف آخر اختار مواجهة السفاهة باستماتة وصبر وتحمل لكل المشاق في زمن استفحال السفاهة.

فهل ستفيق الأمة من غفلتها، فتصغي إلى علمائها ودعاتها أم أنها ستساير السفهاء في سفاهتهم التي ستفضي بها إلى ما لا تحمد عقاباه فتندم  حينئذ ،ولات حين مندم.

جهة بريس // محمد شركي

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0
visitors today visitors total