أخر تحديث : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 7:47 مساءً

الاعتداء على نساء و رجال التربية: حادث معزول؟ انهيار قيم؟ أم فشل المنظومة التربوية؟

بتاريخ 10 نوفمبر, 2017 - بقلم admin

2017-10-06_00-07-27

شاهد المغاربة فيديو اعتداء عنيف لتلميذ مراهق على أستاذه داخل الفصل الدراسي  بإحدى ثانويات  المغرب. و تم تداول اعتداءات أخرى مشابهة في نفس الأسبوع…

و قد خلفت هذه الاعتداءات  استنكارات بالاجماع ضد هذا السلوكات المشينة … و أصبحت حديث الساعة لدى المغاربة… حتى دعت بعض النقابات لاضراب وطني للشغيلة التعليمية يومي الأربعاء و الخميس 08 و 09 نونبر الجاري 2017 .

هو سلوك ليس أول من نوعه.. و لن يكون الأخير (رغم أننا لا نتمنى تكراره).

لكن القضية أكبر من تلميذ تعدى على أستاذه. أو مديره. القضية مرتبطة في عمقها بمصير المنظومة التربوية بأكملها.. هي قضية مجتمع برمته. هي أزمة قيم.

لذا وجب علينها هنا و انطلاقا من تجربتنا الشخصية طرح مجموعة من الأسئلة:

1 ـ تحديد مسؤولية الأسرة:

ـ ما هو واقع الأسر المغربية هنا الآن؟

إذا ما حولنا تشخيص وضعية أغلب الأسر الساكنة في الأحياء الهامشية للمدن، و في القرى النائية، نلاحظ ما يلي:

ـ تفشي ظاهرة الطلاق بشكل مهول لأسباب اقتصادية و اجتماعية بالأساس. مما يؤدي إلى عدم استقرار الطفل أسريا و نفسيا و اجتماعيا و ماديا.

ـ تدني الظروف المعيشية للأسر المعوزة بسبب البطالة، و غلاء المعيشة، و ندرة مصادر ضمان أدنى شروط العيش الكريم، لكثرة الخصامات بين الوالدين..  و هو ما يؤدي بالأطفال للثورة حتى على ذويهم…

ـ استفحال ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم… مما يجعل الطفل معاقا نفسيا و متقلب المزاج و لا يمكن بالتالي توقع ردود أفعاله..

ـ تنامي و اتساع الفوارق الاجتماعية الطبقية بين الأسر… مما يولد الحقد و الضغينة.. و الكره أحيانا بين الأطفال من جهة، و بين الأطفال و الراشدين من جهة أخرى…

ـ تفشي الأمية في أوساط الأسر الفقيرة، و غياب الوعي، و الافتقار لأساليب التربية على المبادئ التي تشكل أسس هويتنا و ركائز مجتمعنا دينيا و اجتماعيا و ثقافيا و حضاريا.

ـ مقاطعة الأسر الغنية و المتوسطة الدخل للتعليم العمومي، و استثمارها في التعليم الخصوصي، الشيء الذي يزيد من هوة غياب تكافؤ الفرص، و يقف حاجزا أمام دمقرطة التعليم..، الذي هو « حق، قبل أن يكون امتيازا »..

ـ تكريس ثقافة اليأس و التيئييس لدى الأسر بسبب فشل الحكومات المتتالية لايجاد مخرج يوفر فرص الشغل للأبناء بعد انتهائهم من دراستهم، و حصولهم على شغل يضمن لهم أبسط ظروف العيش الكريم.

2 ـ تحديد مسؤولية المدرسة :

ـ ما هو واقع مدرستنا اليوم؟

الكل يتحدث عن أزمة التعليم و فشل المنظومة التربوية من أسفل الهرم إلى قمته (حكومة. معارضة. نقابات. مجتمع مدني. مثقفون. رجال تربية. وسائل الاعلام. مواطنون عاديون. تلاميذ و طلبة… ناهيك عن تقارير منظمات أجنبية دولية حكومية و غير حكومية)..

التشخيص وحده لا يكفي… و لا وحده التنديد يحل الأزمة، و لا التفاؤل المفرط أو المتحفظ يعيد الثقة.

و بخصوص مدرستنا (العمومية خاصة) نلاحظ:

ـ الفشل في تعميم التعليم.

ـ كل مشروع إصلاح حكومي مقترح أو متبنى رسميا لا يتجاوز كنهه مجرد انتقاد أو إلغاء أو تصحيح لإصلاح جاء قبله.

ـ استفحال ظاهرة الهدر المدرسي.

ـ تنامي ظاهرة العنف و العنف المضاد داخل المدارس.

ـ عدم قدرة المناهج و البرامج و المقررات الدراسية على مسايرة العصر، مما يجعلها ناقصة لدى أغلب المدرسين، و لا يستسيغها عدد لا يستهان به من التلاميذ.

ـ التردد الغير مفهوم بين تعريب التعليم و تعجيمه..

ـ النقص الهائل في الموارد البشرية، و اللجوء إلى التعاقد بدل التوظيف.. و نهج سياسة التخلص من الكفاءات إما عن طريق المغادرة الطوعية كما حدث سابقا…

ـ لجوء كفاءات عالية من نساء و رجال التعليم إلى الاستقالة الجماعية عن طريق المطالبة بالتقاعد النسبي.. بسبب الزيادة في سنوات العمل (63 سنة) و تبدد الآمال بخصوص الزيادة في الأجور.

ـ توقف الحوار الاجتماعي لأجل غير مسمى.. و ضرب حق الاضراب.

ـ نقص توفير الأمن في محيط المؤسسات التعليمية للتلاميذ و الأطر التربوية و الادارية.

3 ـ تحديد مسؤولية الوزارة الوصية عن القطاع:

ـ ما مسؤولية السلطات التربوية؟

ـ صحيح أن الوزارة الوصية و الأكاديميات الجهوية  للتربية و التكوين تصدران مذكارت سنوية لرصد مظاهر العنف المدرسي وز العنف المضاد داخل المؤسسات التعليمية و في محيطها،  و الابلاغ عنه فور حدوثه.. لكن أصدرت أيضا مذكرة سنة 2014 تقنن صلاحيات مجالس الانضباط التأديبية تمنع طرد التلاميذ، أو حرمانهم من الدروس، أو معاقبتهم بشكل يعطي العبرة لأقرانهم بحجة احترام مبادئ حقوق الطفل المتعارف عليها في المواثيق الدولية لحقوق الانسان… الشيء الذي يجعل التلاميذ لا يأبهون بفرضية معاقبتهم.. رغم أن التربية أصلا تكوين و عقاب …

ـ صحيح أيضا أن السلطات الوصية تصدر مذكرات سنوية لإرساء خلايا الانصات داخل كل مؤسسة تعليمية… لكن أغلب هذه الخلايا إما غير مفعلة، أو ذات صبغة شكلية.. إذ تحتاج كما في دول متقدمة لموارد بشرية مختصة (طبيب نفساني، طبيب الصحة المدرسية، مساعد اجتماعي…).

ـ و صحيح أيضا أن الوزارة تحث على تفعيل ركائز الحياة المدرسية بإرساء الأندية الثقافية و البيئية و الصحية و الرياضية و الاجتماعية.. لكن غالبا ما تبقى هذه النوادي حبرا على ورق لأنه لا يعقل أن يؤطرها مدرسون يشتغلون حصة أسبوعية كاملة و لا وقت لديهم للتفرغ لأنشطة الحياة المدرسية..

ـ و بدلا من توظيف العدد الكافي من الأطر التربوية و الادارية، تسعى السلطة الوصية لحلول ترقيعية باسم تدبير الفائض و سد الخصاص، مما ينتج عن ذلك أحيانا تكليف الأستاذ الواحد في أكثر من مؤسسة، و اضطرار غيره للتجول بين المؤسسات لتعويض الرخص (الحج. الولادة. المرض…)، و هو ما يؤدي إلى عدم استقراره، و بالتالي نقص مردوديته، و هو ما يؤثر سلبا على العرض التربوي و الرفع من مستوى التعلمات و نسب النجاح…

و ما خفي كان أعظم…

4 ـ تحديد مسؤولية المجتمع المدني و الأحزاب السياسيبة:

ـ من أهم الجمعيات الشريكة للمؤسسة التعليمية: جمعية أمهات و آباء و أولياء التلاميذ… فرغم الأدوار الطلائعية  لهذه الجمعيات المنضوية في إطار فدرالية وطنية.. و رغم أن مداخيلها من جيوب المغاربة، إلا أن بعضها صورية، لا تتواجد بالمؤسسات التعليمية إلا موسميا (الدخول المدرسي لتحصيل واجب الانخراط)… لا نعمم طبعا.

ـ الجمعيات الرياضية و الثقافية و الاجتماعية و الحقوقية المحسوبة على المجتمع المدني:

لبعضها دور ريادي سواء في إطار الشراكة مع المؤسسات التعليمية، أو داخل دور الشباب أو في مقراتها.. لكن بعضها تتناسى و تتجاهل أهدافها الحقيقية و تدور في فلك الممنوع بتبنيها لمواقف سياسية معلنة أو بشكل غير مباشر.. و منها التي لا تستفيد من أي منح مادية/ مالية و تظطر للانسحاب من الساحة لعدم قدرتها على تنظيم أنشطة مبرمجة انطلاقا من أهداف سامية..

ـ الأحزاب السياسية:

لقد أصبح من المتداول أن أغلب الأحزاب و المنظمات الموازية التابعة لها تختزل كينونتها في مجرد دكاكين انتخابية.. لذا نراها متهافتة على الكراسي أيام الحملات الانتخابية.. و بعدها لا حس و لا خبر… بينما هي مطالبة بتأطير المواطنين و توعيتهم بشكل ممنهج و عقلاني و يومي..

لذا، ليس من المنطقي أن ننتظر حدوث عنف أو عنف مضاد ضد تلميذ(ة) أو ضد أستاذ(ة)، أو ضد أب أو أم  أو أخ أو أخت إلخ…، لتقوم القيامة، و لتتعالى أصوات التنديد و الاحتجاج.

5 ـ تحديد مسؤولية وسائل الاعلام:

هل يلعب الاعلام دوره الايجابي في تربية النشء  و المواطنين؟

لا ننكر أن هناك وسائل إعلام ورقية و مسموعة و مرئية و إيليكترونية جادة تقوم بالدور المنوط بها إعلاميا و تربويا و سياسيا و ثقافيا و اجتماعيا، لكن هناك بعض صحف الرصيف و بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي ترتزق بتخصصها في نشر الفضائح، و الجرائم، و التشويه، و الكذب، و افتعال الأحداث، و السب العلني، و انتهاك الأعراض، و أسرار الأسر، و الصور الخليعة،الأغاني المخلة بالآداب العامة.. الخبر مقدس و التعليق حر؟ نعم.. حرية الصحافة؟ نعم. .. التسبب بالضرر المعنوي و المادي للمواطن و ثوابته الدينية و الوطنية و الأخلاقية و الثقافية و الحضارية؟ لا.. و ألف لا.

هي مسؤولية الجميع… و بدل تبادل الاتهامات، و الاكتفاء بالاشارة بالأصابع لجهة أو أخرى.. و بدل الاكتفاء بتحديد المسؤوليات، لابد من وقفة تأملية لكل من يهمه الأمر، لأجل إيجاد حلول ناجعة، ليس لحادث معين، بل للمنظومة التربوية بأكملها.. و الحلول لا تكمن في صياغة المشاريع، بل بالعمل بتنفيذها على أرض الواقع. و كلنا معنيون.

جهة بريس // ذ. بوزيان موساوي

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0
visitors today visitors total