أخر تحديث : الجمعة 5 يناير 2018 - 2:33 مساءً

الأسوأ ما قد يأتي

بتاريخ 5 يناير, 2018 - بقلم جهة بريس

1

إثر استفتاء بريكست ليوليو 2016، الذي انسحبت بمقتضاه بريطانيا من المجموعة الأوروبية، كتبت صحيفة “فاينشال تايمز” أن قوس سقوط حائط برلين أُغلق، أي أن تلك الصورة الزاهية التي حملها الغرب بعد الحرب الباردة توارت وأننا أمام واقع مغاير غير النظرة الاحتفالية التي طبعت ما بعد سقوط حائط برلين. كانت معالم التصدع بادية غداة الأزمة المالية لسنة 2008، وكانت تشي بأن مظاهرها ليست أعراضا، بل تكتسي طابعا بنيويا.

عاشت البشرية قبل ذلك تحت ظل “مهدوية” ملأت الدنيا وشغلت الناس وهي النيوليبرالية. وكان الفيلسوف الأمريكي فرنسيس فوكوياما قد كتب مقاله الشهير حول نهاية التاريخ عقب سقوط حائط برلين وأوحى بالعودة إلى اللحظة المؤسسة لمرجعية الفكر الغربي الحديث، ألا وهي فلسفة الأنوار باعتبارها مُنتهى ما بلغه التاريخ، حسب التعبير المستعار من هيغل، وأنْ لا بديل مما انتهى إليه الغرب من نظام السوق في الاقتصاد والديمقراطية في السياسة، وأن هذين المبدأين اللذين ظهرا في الغرب هما المفتاح السحري للعالم، وأن ّما يهدد العالم وقد بلغ التاريخ منتهاه وتوارت الصراعات والحروب هو الملل.

نحن أبعد ما نكون من هذه الصورة الرومانسية. لقد انتصب عهد ما بعد سقوط حائط برلين إلى إيديولوجيا، أي إلى متن عقدي يُفرض فرضا، في عهد كان يُبشَّر فيه بنهاية الإيديولوجيات، وأصبحت النيوليبرالية جراء ذلك ما أسماه الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغلتز شهادة عقيدة، وأصبح المال بمقتضاها ليس غاية فقط، بل أصولية حسب تعبيره. وكانت النتيجة اختلالات ناتجة عن عدم صواب المسلّمات التي انبنت عليها، ومنها تغليب الرأسمال على العمل، ونظرية الانسياب، أي أن إنتاج الثروة يؤدي إلى توزيعها على مختلف الشرائح. والواقع شيء آخر، ذلك أن تغليب الرأسمال على العمل يفضي إلى ما يسمى “رأسمالية الكازينو” من خلال المضاربات التي ما تنفك تتهاوى عند حد لا يمكن تجاوزه. وأما نظرية الانسياب فقد تبدّت عن اختلال بنيوي، ذلك أن الأغنياء ازدادوا غنى والفقراء فقرا ولم تفض إلى توزيع عادل للثروة، كما لوّح بذلك أصحابها.

أما الجانب الآخر الذي زعمته الإيديولوجيا الجديدة فهو إشاعة قيم الديمقراطية. وواقع الحال يُكذّبه، ويكفي هنا أن نشير إلى ما قاله كاتب الدولة الأمريكي ريكس تلرسن قبيل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الرياض في مايو 2017: ” لئن وضعنا كشرط في علاقاتنا الخارجية أن يتبنى المتعاملون معنا قيم الديمقراطية التي أضحت إحدى أسسنا بعد مسار تاريخي، فإن من شأن ذلك أن ينتصب عائقا في وجه حماية مصالحنا في الخارج”.

الفترة المقبلة تقطع ليس فقط مع قوس حائط برلين، بل مع حقبة زمنية امتدت لأربعة قرون كان السؤدد فيها للغرب، علميا وتقنيا ومعرفيا، وفي كل مناحي الحياة، واقترن العالم بقاطرته. لأول مرة، سوف ينتقل المشعل اقتصاديا إلى دولة من غير رحم الغرب، وهي الصين. إن هذا التحول ينذر بتحولات عميقة، فهو لن يتم كرسالة في البريد، وسيفضي إلى تغييرات بنيوية بداخل الدول الغربية وخياراتها الداخلية والخارجية وعلاقاتها البينية، ولذلك فالعالم العربي مرشح لتحولات جذرية، هي في جانب انعكاس لأزمة الغرب.

هناك ما سماه الصحافي المغتال سمير قصير في كتابه “تأملات في المأساة العربية” (بالفرنسية) “لعنة الجغرافيا”، أي أن الجوار مع الغرب، أو عالم المسيحية سابقا، أرسى علاقات تنافس وتصادم بل وعداء، ما أفضى إلى علاقات أشبه ما تكون بساعة رملية ما أن تمتلئ من جانب حتى تُفرغ من جانب آخر. تظل المسيحية وما رافق تاريخها من علاقات اصطدام مع عالم الإسلامية، (الفتوحات الإسلامية، الحروب الصليبية، حروب الاسترداد) لاوعيا تاريخيا، حسب عالم الاجتماع إيمانيول تود. ويُعدّ الاستعمار والحروب ضد الاستعمار إحدى تجليات هذا اللاوعي التاريخي.

أما الجانب الثاني الذي سوف ينقل أزمة الغرب إلى العالم العربي فهو الترابط الاقتصادي. تظل أغلب اقتصادات العالم العربي مرتبطة بالغرب، سواء في ما يخص صادراتها البترولية أو في السياحية، أو في بعض اقتصاديات الخدمات. وقد أخذ تأثير التحولات التي يعرفها سوق البترول وانخفاض أسعاره  يبدو على الدول المصدّرة التي لم تطور اقتصادات بديلة وكانت تعيش في ما يسمى في علم النفس “أوفوريا”، أي نشاطاً غير طبيعي. ويمكن أن يقال الشيء ذاته بالنسبة إلى السياحة، إذ تتأثر الدول ذات الصناعة السياحية بأثر الأزمة في أوربا خاصة (حالة مصر وتونس، وإلى حد ما الأردن والمغرب).

والجانب الآخر هو التداخل الاجتماعي وبالأخص بالنسبة إلى البلدان المغاربية حيث تعيش جاليات عريضة في أوروبا، أغلبها يحمل جنسية بلد الإقامة، والانعكاسات المحتملة، وخاصة مع ما يسمى الانكماش الهوياتي والإسلاموفوبيا.

وأخيرا، يمكن أن نُذيّل بعنصر حاسم في علاقات العالم العربي بالغرب، هو نتيجة لكل العوامل السابقة، وهو ما يسمى في علم النفس “الهيتيرونوميا” (hétéronomie) أي انعدام الاستقلالية والتأثر بالعوامل الخارجية، ذلك أن العالم العربي ظلّ لأكثر من قرنين، منذ حملة نابليون على مصر، متأثرا بالعوامل الخارجية أكثر منه صاحبَ المبادرة، فبالأحرى مؤثرا.

إلى جانب هذه العوامل الخارجية، تعيش دول العالم العربي، كل واحدة على حِدة، أوضاعا جديدة ضاغطة، منها حلول جحافل عريضة من الشباب على سوق الشغل من دون آفاق ولا موارد، واستفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وبزوغ خطابات الهويات المتصارعة، فضلا عن التطورات الإقليمية المتسمة بالتوتر والاحتقان.

هل معنى ذلك الارتكان إلى اليأس؟

ليست الأزمة شيئا سلبيا في علم الاقتصاد، لأنها تحمل جذور تجاوزها، ما يفرض ضرورة الخروج من البارديغمات القائمة والقوالب المنتهجة، ذلك أن الاستمرار في انتهاج القوالب القائمة لا يمكن إلا أن يفاقم الأزمة.

نبرة التشاؤم في التحليل لا ينبغي أن يواكبها الشعور ذاته في الفعل، بل ينبغي للنظرة الكابية للواقع أن تكون محفزة لتجاوزه، لا عاملا من عوامل التثبيط، أو كما يقول الشاعر الألماني هولدرن: كلما كبُر حجم الأخطار كبُر ما من شأنه أن ينقذنا. فيمكن للوضع القائم أن ينفتح على منادح وسوانح، مثلما أن الأسوأ ما سيأتي إن لم يستوعب العالم العربي التحولات الجارية ولم يوظف إيجابيا الديناميات الداخلية، وغلّبت الأوليغارشيات القائمة والطغمات الحاكمة مصالحها على مصالح شعوبها. ولا بد من شيء يعين على اقتحام الظرف القائم، هو الفكر وعدم الارتكان إلى المعتقدات، أيا كانت طبيعتها، على أهميتها، ولا إلى التقنيات، أيا كان شكلها، فالرأي، وقُل الفكر، قبل شجاعة الشجعان.

جهة بريس // الجزيرة

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0
visitors today visitors total